الذهبي

216

سير أعلام النبلاء

قلائل . ما أعدل بالفقر شيئا . ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر . وقال : أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف ، قد بليت بالشهرة ، إني أتمنى الموت صباحا ومساء . قال المروذي : وذكر لأحمد أن رجلا يريد لقاءه ، فقال : أليس قد كره بعضهم اللقاء يتزين لي وأتزين له ( 1 ) . وقال : لقد استرحت ، ما جاءني الفرج إلا منذ حلفت أن لا أحدث ، وليتنا نترك ، الطريق ما كان عليه بشر بن الحارث . فقلت له : إن فلانا ، قال : لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها ، قال : زهد في الناس . فقال : ومن أنا حتى أزهد في الناس ؟ الناس يريدون أن يزهدوا في . وسمعته يكره للرجل النوم بعد العصر ، يخاف على عقله ( 2 ) . وقال : لا يفلح من تعاطى الكلام ، ولا يخلو من أن يتجهم ( 3 )

--> ( 1 ) اللقاء الذي لم يرغب فيه الإمام أحمد هو الذي يراد منه ذيوع الصيت والتكلف . أما لقاء الناس لتعليمهم ما جهلوا من أمر دينهم ، وإسداء النصح لهم ، وصلة أرحامهم ، وزيارتهم في المناسبات المشروعة ، فهو مما يرتضيه ويرغب فيه ، لان ذلك مما يحمده الشرع ويحث عليه . فقد روى الإمام أحمد 2 / 43 ، وابن ماجة ( 4032 ) ، والترمذي ( 2507 ) بسند قوي من حديث ابن عمر مرفوعا : " المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ، ولا يصبر على أذاهم " . ( 2 ) لم يثبت هذا في نص يعول عليه . ( 3 ) يقول شيخ الاسلام : الجهمية ثلاث درجات : فشرها الغالية الذين ينفون أسماء الله وصفاته . وإن سموه بشئ من أسمائه الحسنى ، قالوا : هو مجاز . فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ، ولا عالم ، ولا قادر ، ولا سميع ، ولا بصير ، ولا متكلم ، ولا يتكلم . والدرجة الثانية من التجهم هو تجهم المعتزلة ونحوهم ، الذين يقرون بأسماء الله تعالى في الجملة ، لكن ينفون صفاته . وهم أيضا لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة ، بل يجعلون كثيرا منها على المجاز ، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون . والدرجة الثالثة هم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية ، لكن فيهم نوع من التجهم ، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة ، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته ، الخبرية وغير الخبرية ، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها . والإمام أحمد ينعت اللفظية بالتجهم ، أي الذين يقولون : لفظنا بالقرآن مخلوق . قال ابن جرير : وسمعت جماعة من أصحابنا ، لا أحفظ أسماءهم ، يحكون عن أحمد أنه كان يقول : من قال : لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي . والسلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات ، ويقول : إن القرآن مخلوق ، وإن الله لا يرى في الآخرة جهميا . انظر " تاريخ الجهمية " ص : 53 وما بعدها للقاسمي .